مرورًا سريعًا على ما حدث!

نشوان العثماني :

– كان يمكن للمجلس الانتقالي أن يكون في وضع أفضل لو حظي بقيادة سياسية أكثر حنكة، قيادة تسمع للأصوات المخلصة التي طالما طالبت بتصحيح الأخطاء والالتفات إلى الشركاء الجنوبيين في حاضنة الحراك الجنوبي على امتداد الجنوب، والأهم من ذاك الاعتماد على الكفاءات.

– مثل الانتقالي في مرحلة ما رافعة سياسية مهمة، لكنه فقد هذا الدور تدريجيًا، ليعود اليوم إلى زخم الشارع، وهو زخم لا يزال توصيفه السياسي مفتوحًا على احتمالات متعددة.

– أخطاء الانتقالي عديدة، لكنها توجت بخطأ لم يكن فيه وحده، تمثل في الدفع نحو الشرق، وسط تجاهل شبه كامل للمصالح المتصلة بحضرموت، ذات الارتباط المباشر بالجوار الجغرافي. وهو مسار بدا مستغربًا وغير معقول في سياقه السياسي والإقليمي.

– المفاجأة الأكبر كانت إخراج الإمارات من المشهد بتلك الطريقة، وهو ما لم يكن متوقعًا على الإطلاق.

– مع خروج أبو ظبي، وجد الانتقالي نفسه وحيدًا في الساحة، وكان المتوقع أن يكتفي بالمناورة والحفاظ على مكاسبه السابقة، غير أن الأمور، وبطريقة غير مفهومة، ذهبت نحو اندلاع مواجهة سريعة في حضرموت، انتهت بإعلان دستوري لم يصمد سوى ساعات.

– وانهار المشهد بالكامل مع خروج الزبيدي من الأراضي اليمنية بحرًا، وهي الرحلة التي رصدت “يمن فيوتشر” بعض تفاصيلها قبل البيان السعودي.

– كان مؤسفًا أن يتحول أحد أبرز المخلصين للقضية الجنوبية وأكثرهم نضالًا إلى تسليم كل شيء بيد طرف كان له مساره الخاص والمتشعب في المنطقة، ثم الخروج من المعادلة السياسية بتلك الصورة.

– كان يمكن للزبيدي أن يكون في موقع سياسي وتاريخي أفضل، غير أن سوء تقديره لموازين القوة الحقيقية في الإقليم، إلى جانب اختزاله لمسألة التطبيع باعتبارها خيارًا شاملًا يحسم كل شيء، قاده إلى مسار آخر.

– كما أخطأ الانتقالي في اعتماده المفرط على حاضنته الشعبية ومقاتليه المنحدرين من مناطق بعينها، وهو ما برز بوضوح في معركته الأخيرة، الأمر الذي خلق اختلالًا في التوازن السياسي والعسكري، وضيق من قدرته على الادعاء بتمثيل جنوبي جامع.

– تعمق فقدان الثقة عندما قوبلت استقالة سالم العولقي، أحد أبرز الوجوه الشابة التي قدمها المجلس، ببرود، أعقبته قرارات صدرت خارج الإطار الدستوري، ما كشف انزياح المسار جانبًا عما كان مأمولًا.

– ويطرح سؤال جوهري من ثم: متى يمكن اعتبار الانتقالي رقمًا صعبًا فعليًا في الشارع الجنوبي؟ وذاك معتبر إذا ما خرجت تظاهرات مماثلة لما شهدته عدن، الجمعة الماضية، في حضرموت والمهرة وشبوة معًا، لأن الاتكاء على حاضنة شعبية جزئية لا يكفي معيارًا للتمثيل.

– القضية الجنوبية أكبر من مستوى الانتقالي، وهو ليس ممثلًا حصريًا لها وإن كان الأبرز، رغم أهمية المكونات والقيادات التي قامت عليها تجربته، والتي من المهم استمرارها بأشكال مختلفة في ظل سياسة الباب المفتوح أمام الجميع.

– ويبقى سؤال جوهري آخر قد ينسف كل ما مثله الانتقالي جملة وتفصيلًا، وقد يفصله نهائيًا عن أي ادعاء بالمسار النضالي الثوري، ويتمثل في ملفات الفساد التي تفجر الحديث عنها خلال الأيام الماضية. ما يُتداول في هذا السياق صادم إلى حد يصعب تصديقه. صحيح أن الفساد ليس حكرًا على الانتقالي وحده إن ثبتت هذه الاتهامات، لكنه عندئذ لا يكون مختلفًا عن غيره في شيء، وربما يتجاوزهم خطورة، بحكم ما رفعه من شعارات وما ادعاه من تمثيل أخلاقي وسياسي.

– دخول إسرائيل على الخط باعترافها بإقليم الصومال، نهاية ديسمبر الماضي، بدا ككشف علني لأوراق اللعبة أمام شعوب المنطقة.

– والمشهد الإقليمي ماثلًا ربما يتجه نحو مقاربات مختلفة:
فمن جهة ثمة السعودية، مصر، تركيا، الصومال، السودان، اليمن (الحكومة)، وربما إريتيريا،
ومن جهة ثمة إسرائيل، الإمارات، إثيوبيا.

– ما حدث خلال الفترة الماضية مؤسف، لكنه قد يشكل منعطفًا ربما يقود إلى صفحة جديدة نحو إجماع وطني في هذه المرحلة الدقيقة.

– المخاطر لا تزال قائمة في ظل التجاذبات الإقليمية، إلا أن التحدي الأبرز يتمثل في توحيد المؤسسات والأجهزة والتشكيلات العسكرية والأمنية والإدارية، إلى جانب معالجة ملف الخدمات وصرف المرتبات.

– تمكين أبناء عدن وتجسيد سلوك الدولة أولوية قصوى، بعيدًا عن منطق ردة الفعل، في مرحلة تحتاج إلى الجميع بدون استثناء.

– انضمام الفريق محمود الصبيحي إلى عضوية مجلس القيادة الرئاسي يمثل خطوة استثنائية وذات دلالة جامعة لكل ألوان الطيف اليمني، جنوبًا وشمالًا، لما يحمله حضوره من رمزية وطنية وثقل عسكري وسياسي وازن في هذه المرحلة الدقيقة.

– ستظل القضية الجنوبية في صدارة القضايا الوطنية، وهي نصف المعادلة السياسية اليمنية، ولا بد من حلها حلًا عادلًا وجادًا، ومن المهم المشاركة الفاعلة دون تحفظ في مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع في العاصمة الرياض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى